أحمد بن محمد ابن عربشاه

395

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

قال الشيخ أبو المحاسن ؛ من هو لجرعة الفضل أحسن حاسن : فلما وعى الملك الجليل ، والقيل الفضيل ما جرى بين الأسد والفيل ، من القال والقيل ، وانجرار ذلك إلى الضرب الوبيل ، وعلم أن عاقبة الظلم وخيمة ، وخاتمة التعدي والطمع مشومة ، أمر رؤساء المملكة وزعماء السلطنة بالكف عن الطمع ، وتجنب الجبن والهلع ، ومعاملة الأهل والجار بحسن الخلق والجوار ، وانتشار ذلك بالإشهار في الولايات والأقطار فالعاقل من اعتبر بغيره ، وكفّ كفّه عن أذاه وضيره ، ونشر مهما استطاع من موائد إحسانه وخيره ، وعدى عن التعدي والعدوان لا سيما إذا كان ذا قدرة وإمكان ، وتحكم في الفقراء والضعفاء والسلطان . فنهض الحكيم حسيب ، وقبل أرض العبودية بشفاه التأديب . [ 68 ] [ الأسد الزاهد : ] وقال : بلغني أيها الملك المفضال مما يطابق هذه الأحوال ، أنه كان في بعض الأزمان ، وأنزه الإسكان سلطان الحيوان ، أسد عظيم الخلقة جسيم الشفقة ، جليل المكارم ، سليل الأكارم ، قد بلغ في الزهد الغاية ، وفي الورع والعفة النهاية ، مع حسن الأوصاف والشمائل وكرم الأعطاف والفضائل ، قد جمع بين الهيبة والشفقة ، والصدق والصدقة ، وسورة الملك وسيرة العدل ، وسيمة الفضل وشيمة الفضل ، هيبته ممزوجة بالرأفة ، وعاطفته مدموجة في الصولة ، قد عاهد الرحمن بالكف عن أذى الحيوان ، وأن لا يريق دما ، ولا يتناول دسما ، ولا يرتكب محرما ، يتقوت بنبات القفار ويقوم الليل ويصوم النهار ، يرعى في دولته الذئب مع الغنم ، وينام في كنف ضمانه وكفالة مأمنه الثعلب والأرنب ، بعد حرّ الحرب والحرب في ظل الضال والسّلم كما قيل : ولى البريّة عدله فتمازجت * أضدادها من كثرة الإيناس تحنو على ابن الماء أمّ الصّقر بل * يحمى أخو القصباء أخت كناس « 1 »

--> ( 1 ) القصباء : عيدان القصب الكثيرة المتجمعة تخفى داخلها الحيوانات المفترسة ، والكناس هو بيت الظبي .